عبد الملك الثعالبي النيسابوري
444
يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر
93 - أبو الحسين محمد بن الحسين الفارسي النحوي أحد أفراد الدهر ، وأعيان العلم ، وأعلام الفضل ، وهو الإمام اليوم في النحو بعد خاله أبي الحسن بن أحمد الفارسي ، ومنه أخذ ، وعليه درس ، حتى استغرق علمه ، واستحق مكانه ، وكان أبو علي أوفده على الصاحب فارتضاه ، وأكرم مثواه ، وقرب مجلسه . وكتب إليه في بعض أيامه عنده هذه المعماة ليستخرجها . ما أسود غريب ، بعيد الدار قريب ، يقدم فحواه على نجواه ، ويتأخر لفظه عن معناه . له طرفان فأحدهما جناح نسر ، والآخر خافية صقر . يلقاك من مياسره سانح « 1 » ، ومن ميامنه بارح « 2 » . تجودك أنواؤه والسنون جماد ، وتسقيك سماؤه والعيش جهاد ، بينا تراه على كواهل الجبال ، حتى يتهيّل الرمال « 3 » ، قد تجافى قطراه عن واسطته ، وانضم ساقاه على راحلته . يخونك إن وفى لك الشباب ، ويفي لك إن جهدك الخضاب ، رفعته رفعة المنابر ، ورفقته رفقة المحابر ، يروي عن الأحمر ، وإن شئت عن يحيى بن يعمر . قد أفضى بك إلى روضة غناء ينعم رائدها ، وشريعة زرقاء يكرع واردها ، أخرجه أبا الحسين ، أسرع من خطفة عين [ من الوافر ] : وذاك له إذا العنقاء صارت * مربّية وشبّ ابن الخصيّ ! ولما استأذنه للصدر وقع في رقعته : لا استدلال يا أخي على الملال ، أقوى من سرعة الارتحال ، لكنا نقبل العذر وإن كان مرفوضا ، ونبسطه وإن كان مقبوضا ، ولا أمنعك عن مرادك ووفاقك . وإن منعت نفسي مرادها بفراقك ،
--> ( 1 ) السانح : من الطير ما مرّ من يسار الرائي إلى يمينه . ( 2 ) البارح : من الطير ما مرّ من يمين الرائي إلى يساره . ( 3 ) يتهيّل : تهيّل التراب والرمل : انهال وتصبّب .